اخبار

مفاجأة كبيرة.. سرُّ ورقة الشهيد الأستاذ “عبد الجواد” لطالبة التوجيهي “رهف”

مفاجأة كبيرة.. سرُّ ورقة الشهيد الأستاذ “عبد الجواد” لطالبة التوجيهي “رهف”

“نعم.. لقد كان توقعك مثاليًا صحيحًا، لربما رأيت يومها ما لم نره جميعًا، لكنني لم أكن مثلك، فلم أتوقع أن أستاذي الذي يحل بمنزلة الأب سيتركني فجأة ويرحل دون سابق إنذار، ويتركني للوحدة والوحشة والخوف من إكمال الدرب، لكنني وقفت من جديد لأصل لهذا اليوم الذي أزور فيه قبرك وأهديك نجاحي”، قالت الطالبة رهف اسعيفان من أمام قبر الشهيد الأستاذ علي عبد الجواد.

كانت رهف تحمل بيدها باقة من الورود والورقة التي توقَّع فيها الأستاذ علي معدلها في الثانوية العامة والتي لم تفتحها إلا يوم إعلان النتائج بناءً على طلبه، في وقت اختلطت فيها مشاعر الفرحة بالشوق والحزن، فمن عرف الأستاذ علي يومًا سيبقى الحنين يلاحقه طويلًا، فأمثاله قلائل كما قال كلُّ من عاشره.

واستشهد أستاذ اللغة الإنجليزية المحبوب جدًا في مدينته رفح جنوب قطاع غزة جراء قصف لطائرات الاحتلال الإسرائيلي للمبنى الذي كان يتواجد داخله، في الخامس من أيار/مايو 2019، تاركًا جرحًا عميقًا في فؤاد أهله وأصدقائه وطلبته، خاصة أولئك الطلبة الفقراء اللذين كان يتسلل إليهم ليعطيهم دروس اللغة الإنجليزية مجانًا.

الاهتمام برهف

كانت رهف طالبةً متميزة ومتفوقة، لفتت أنظار الأستاذ علي عبد الجواد بحبها للدراسة وهي إحدى طالباته في المدرسة، فقرر أن يساعدها في تنظيم وقتها ودراستها طوال العام الدراسي للثانوية العامة، آملًا أن تحصد أعلى الدرجات.

وعن اهتمامه الكبير تقول رهف لمراسل “فلسطين اليوم الإخبارية”: “كان الأستاذ علي يقسم لي ساعات اليوم كاملةً، وحين أشعر بالتعب والإرهاق، يقوم بصناعة جدول جديد للدراسة، ويحفزني كثيرًا خاصةً عندما أشعر بالتيه والخوف من الدراسة والمواد الدراسية”.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد كان الأستاذ علي متابعًا مع والد رهف تقدمها في الدراسة والتزامها بالجدول الذي وضعه لها، كذلك للاطمئنان على صحتها وعلى راحتها النفسية.

يوم الوداع

وتروي رهف آخر لحظات جمعتها بالأستاذ علي قائلةً: “كان الأستاذ يقوم بتدريسي مادة اللغة الإنجليزية، وكان موعدي معه الساعة الرابعة ونصف وحتى السادسة، لكن يومها قال لي فلتأتِ مبكرًا على غير العادة، وشعرت من صوته بشيء من التردد”.

حين وصلت رهف كانت الساعة الثانية عشر صباحًا، كان الأستاذ علي يتحدث _ولأول مرة_ عن عائلته وأشياء يحبها، فتحدث عن زوجته وكم هي مثالية ومثابرة، وعن ابنته حنين وطعم كأس الشاي من يدها الذي لا يُنسى أبدًا، وابنه محمد الذي أدخل على قلبه السرور بتفوقه العام الماضي بالثانوية العامة.

انتهى الدرس سريعًا اختتمه الأستاذ بمعايدة رهف بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد، وعادت الطالبة إلى منزلها، وما أن جلست حتى سمعت صوت الانفجار يهز المدينة، فنظرت إلى والدتها مبتسمة وقائلة: “منيح انو صار القصف بعد ما روحت، كان صارلي اشي من الخوف لو كنت في الشارع”.

دقائق حتى تبيَّن أن القصف قريب من منزل الأستاذ علي فقام والد رهف بالاتصال للاطمئنان عليه فلم يجب، ثم قامت رهف بإرسال رسالة نصية له ولم يجب أيضًا، فقررت النوم وأوصت والدتها بإبلاغها إذا قام الأستاذ بالرد على رسالتها.

وتضيف: “لم يصل الرد، فبعد أن أفقت من النوم كان صدمة عمري بخبر استشهاد الأستاذ علي عبد الجواد، والدي الثاني ومرشدي، خبر نزل كالصاعقة علي، وأدخلني في حالة اكتئاب شديدة”.

السقوط الموجع

دخلت الفتاة بحالة من الصدمة والاكتئاب، وتوقَّع من حولها أنها لن تتقدم لامتحان الثانوية العامة بسبب شدة حزنها، حتى ظنت هي كذلك أن أمر “التوجيهي” قد حسم، ولن تحصد أي درجات تذكر.

مرت الأيام وجميع سكان مدينة رفح في حالة صدمة، وبدأت قصص الأستاذ علي تنتشر، فرثاه أصدقاؤه المقربون، وامتدحت وزارة التعليم إخلاصه، وظهرت خصاله الطيبة بقصص العديد من الطلاب الفقراء اللذين ساعدهم دون مقابل.

وفي ذلك الوقت حاولت عائلة رهف أن تساندها وتطبب جراحها وحزنها، لكي تعود من جديد إلى شغفها الدراسي، وتستطيع تحقيق حلمها وحلم الأستاذ علي بالتفوق في الثانوية العامة.

حلم الأستاذ

وعن العودة للدراسة تقول رهف: “استطاعت والدتي أن تقنعني بالدراسة من جديد، كون هذا الشيء الوحيد الذي ربطني بالأستاذ علي، وكان يتمنى أن يراني متفوقة، ووددت أن أحقق حلمه، خاصةً أنني لم أفتح تلك الورقة التي أعطاني إياها مسبقًا”.

لعبت الأم الدور الذي فقدته الفتاة، وأصبحت ترافقها مثل ظلها في نومها وصحيها حتى تعود إلى حالتها الصحية والنفسية السابقة، وهذا ما كان وما حدثتنا عنه رهف وهي تضغط بيدها على الورقة التي تشعر أنها مصدر فخر كبيرٍ لها.

سعادة رهف من نفسها لتطابق توقع أستاذها الشهيد (97%) مع درجاتها لا توصف، حتى أنها لم تفكر بعد بأي تخصص جامعي ستلتحق، تاركة الأمر للظروف وللاطلاع، كون الفرحة اليوم مضاعفة مجبولة بالحزن.

فلسطين اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق